ماذا يريدُ اللبنانيون من دولتهم؟

ماذا يريدُ اللبنانيون من دولتهم؟

 

 

(نستراك) - لا يطلب اللبنانيون من دولتهم المعجزات، ولا ينتظرون حلولاً خارقة لأزماتهم المتراكمة. ما يطالبون به اليوم هو الحدّ الأدنى من معنى الدولة: دولة تحكم، لا تُدار؛ تقرّر، لا تماطل؛ وتحمي مواطنيها بدل أن تتركهم رهائن للتجاذبات الداخلية والتوازنات الخارجية. فالأزمة اللبنانية لم تعد أزمة حكومة أو نظام سياسي فحسب، بل أزمة دولة عاجزة عن ممارسة وظائفها الأساسية، في مقدّمها السيادة والأمن والعدالة.

في هذا السياق، تتحدد معايير “الدولة القوية” في وعي اللبنانيين بمجموعة مطالب واضحة، تمثل في جوهرها شروط بقاء الكيان واستقراره.

 

أولاً: احتكار قرار السلاح والحرب والسلم

في أي دولة طبيعية، يشكّل احتكار السلطة الشرعية للسلاح حجر الأساس في العقد الاجتماعي. فالدولة التي لا تملك وحدها قرار استخدام القوة تفقد قدرتها على حماية مواطنيها، وتتحول إلى كيان هش، خاضع لتوازنات قوى موازية.

اللبنانيون، بعد عقود من الحروب والاشتباكات والقرارات المصيرية التي اتُّخذت خارج المؤسسات الدستورية، باتوا أكثر حساسية تجاه مسألة الحرب والسلم. هم يريدون دولة لا يُزجّ أبناؤها في المواجهات إلا بقرار وطني جامع، صادر عن مؤسسات شرعية، يخضع للمساءلة والمحاسبة. فاحتكار السلاح ليس مطلباً أيديولوجياً، بل شرطاً وجودياً لاستقرار البلد ومنع تكرار الكوارث.

 

ثانياً: الأمن قبل أي اعتبار آخر

الأمن هو الوظيفة الأولى للدولة، وكل ما عداها يبقى ثانوياً من دونه. اللبنانيون يريدون دولة تضمن لهم الأمان في حياتهم اليومية: في بيوتهم، في شوارعهم، في أعمالهم، وعلى حدودهم.

غياب الأمن لا يعني فقط الفوضى المسلحة، بل أيضاً تفشي الجريمة، وانتشار الاعتداءات، وانهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. السلطة الحازمة هي تلك التي تطبق القانون على الجميع، بلا استثناءات سياسية أو طائفية، وتمنع تحوّل السلاح والنفوذ إلى أدوات لفرض الأمر الواقع. فالأمن المتساوي هو أساس المواطنة، وأي خلل فيه يضرب وحدة المجتمع من الداخل.

 

ثالثاً: سيادة تُمارَس لا تُعلَن

السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، ولا بياناً يُتلى في المناسبات الوطنية. السيادة ممارسة يومية، تُقاس بقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتنفيذ قراراتها، والوفاء بالتزاماتها الدولية من دون أن تتحول إلى ساحة مستباحة لتصفية الصراعات.

في التجربة اللبنانية، كثيراً ما جرى استبدال السيادة الفعلية بخطاب سيادي، فيما بقي الواقع خاضعاً لموازين قوى داخلية وخارجية. اللبنانيون اليوم يريدون دولة تحكم أرضها، وتدير حدودها، وتتحمل مسؤولية خياراتها، لأن غياب السيادة لا يؤدي فقط إلى أزمات أمنية، بل يضع الكيان كله في دائرة الشك.

 

رابعاً: عدالة متساوية وهيبة قانون

لا دولة من دون عدالة، ولا عدالة من دون قضاء مستقل. اللبنانيون، الذين خبروا طويلاً منطق الإفلات من العقاب، يتطلعون إلى سلطة تعيد الاعتبار لهيبة القانون، وتساوي بين المواطنين أمامه.

العدالة المتساوية تعني ألا يكون هناك قوي فوق المحاسبة، ولا ضعيف بلا حماية. وهي تعني أيضاً فصل القضاء عن السياسة، وتمكينه من أداء دوره بعيداً عن الضغوط والاصطفافات. فالدولة التي تفشل في تحقيق العدالة تفقد شرعيتها الأخلاقية، مهما امتلكت من قوة.

 

خامساً: اقتصاد تحميه الدولة لا “مزاج الأزمات

لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة والأمن. فالاستثمار، والنمو، وخلق فرص العمل، كلها تحتاج إلى بيئة مستقرة وواضحة. اللبنانيون يدركون أن أي خطة إنقاذ اقتصادي تبقى حبراً على ورق إذا لم تستند إلى دولة قوية قادرة على فرض الاستقرار.

اقتصاد “الترقيع” وإدارة الانهيار لم يعد خياراً. المطلوب دولة تحمي اقتصادها بقرارات سيادية، وتعيد الثقة للمستثمرين، وتوقف نزيف الهجرة. فغياب الدولة يعني اقتصاداً رهينة الأزمات، لا اقتصاداً منتجاً قابلاً للنهوض.

 

سادساً: قرار واضح بدل سياسة الانتظار

من أكثر ما أنهك اللبنانيين هو منطق الانتظار: انتظار التسويات، وانتظار المتغيرات الإقليمية، وانتظار “الظروف المناسبة”. هذا النهج حوّل الدولة إلى كيان متردد، عاجز عن اتخاذ قرارات حاسمة.

السلطة القوية، في نظر اللبنانيين، هي تلك التي تحسم وتقرّر، وتضع جداول زمنية واضحة، وتتحمل مسؤولية خياراتها. فالقرارات المؤجلة لا تلغي الأزمات، بل تراكمها، وتحوّلها إلى أزمات بنيوية يصعب الخروج منها.

 

سابعاً: كرامة المواطن أولاً

في النهاية، كل ما سبق يصب في مطلب واحد: كرامة المواطن. دولة تحمي كرامة شعبها في الداخل والخارج، وتؤمّن الحد الأدنى من العيش الكريم، وتمنح مواطنيها شعوراً بالأمان والانتماء.

الهجرة الجماعية، واليأس العام، وانهيار الثقة، ليست سوى مؤشرات على دولة فشلت في صون كرامة مواطنيها. واللبنانيون، قبل أي إصلاح سياسي أو دستوري، يريدون أن يشعروا بأن دولتهم تقف إلى جانبهم، لا فوقهم ولا بعيداً عنهم.

 

خاتمة: الدولة كشرط للبقاء

ما يطلبه اللبنانيون اليوم ليس دولة مثالية، بل دولة قائمة. دولة تمارس سلطتها، وتحمل مسؤولياتها، وتضع مصلحة شعبها فوق كل اعتبار. فالدولة القوية ليست نقيض التعددية، ولا خصماً للحرية، بل شرط لحمايتهما.

وفي بلد كلبنان، حيث التجربة أثبتت أن غياب الدولة يعني الفوضى والانهيار، يصبح بناء سلطة حازمة وعادلة ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية لحماية الكيان ومستقبل أجياله.